أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
176
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
فردّ شعورهنّ السّود بيضا * وردّ وجوههنّ البيض سودا « 1 » ويجوز ألّا يتضمّن ، فيكون المنصوب الثاني حالا . وقوله : « بَعْدَ إِيمانِكُمْ » يجوز أن يكون منصوبا بيردّوكم ، وأن يتعلّق بكافرين ، ويصير المعنى كالمعنى في قوله : كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ « 2 » . قوله تعالى : وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ : جملة حالية من فاعل « تَكْفُرُونَ » ، وكذلك « وَفِيكُمْ رَسُولُهُ » أي : كيف يوجد منكم الكفر مع وجود هاتين الحالين ؟ والاعتصام : الامتناع ، يقال : اعتصم واستعصم بمعنى واحد ، واعتصم زيد عمرا أي : هيّأ له ما يعتصم به ، وقيل : الاعتصام : الإمساك ، واستعصم بكذا : أي استمسك به ، والعصّام : ما يشدّ به القربة ، وبه يسمّى الأشخاص ، والعصمة مستعملة بالمعنيين لأنها مانعة من الخطيئة وصاحبها مستمسك بالحقّ ، والعصمة أيضا : شبه السوار ، والمعصم : موضع العصمة ، ويسمّى البياض الذي في الرسغ « عصمة » تشبيها بها ، وكأنهم جعلوا ضمة العين فارقة ، والأعصم من الوعول : ما في معاصمهما بياض وهي أشدّها عدوا ، قال : 1376 - لو أنّ عصم عمايتين ويذبل * سمعا حديثك . . . « 3 » وفي الحديث في النساء : « لا يدخل الجنة منهن إلا كالغراب الأعصم » « 4 » وهو الأبيض الرّجلين . وقيل : الأبيض الجناحين ، والمراد بذلك التقليل . وقوله : فَقَدْ هُدِيَ جواب الشرط وجيء في الجواب ب « قد » دلالة على التوقّع لأنّ المعتصم متوقع الهداية . قوله تعالى : حَقَّ تُقاتِهِ : فيه وجهان : أنّ « تقاة » مصدر ، وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها ؛ إذ الأصل : اتقوا اللّه التقاة الحقّ أي : الثابت كقولك : « ضربت زيدا أشدّ الضّرب تريد : الضرب الشديد ، وقد تقدّم تحقيق كون « تقاة » مصدرا في أول السورة ، وزاد ابن عطية هنا أن « تقاة » يجوز أن يكون جمعا ، وهو في ذلك كالمخالف للإجماع فقال : « ويصحّ أن يكون « التقاة » في هذه الآية جمع فاعل ، وإن كان لم يتصرّف منه فيكون كرماة ورام ، أو يكون جمع تقيّ ، إذ فعيل وفاعل بمنزلة ، ويكون المعنى على هذا : اتقوا اللّه كما يحقّ أن يكون متّقوه المختصّون به ، ولذلك أضيفوا إلى ضمير اللّه تعالى » . قال الشيخ « 5 » : « وهذا المعنى ينبو عنه هذا اللفظ ، إذ الظاهر من قوله : « حَقَّ تُقاتِهِ » من باب إضافة الصفة إلى موصوفها ، كما تقول : « ضربت زيدا شديد الضرب » أي الضرب الشديد ، وكذلك هذا أي : اتقوا اللّه الاتقاء الحقّ أي : والواجب الثابت ، أمّا إذا جعلت التقاة جمعا فإن المعنى يصير مثل : اضرب زيدا حقّ ضرّابه ، ولا يدلّ هذا التركيب على معنى : اضرب زيدا كما يحقّ أن يكون ضرابه ، بل لو صرّح بهذا التركيب لا حتيج في فهم معناه إلى تقدير أشياء يصحّ بتقديرها المعنى ، والتقدير : اضرب زيدا ضربا حقا كما يحقّ أن يكون ضرب ضرابه ، ولا حاجة تدعو إلى تحميل اللفظ غير ظاهره وتكلّف تقادير يصحّ بها معنى لا يدلّ عليها اللفظ » .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 90 ) . ( 3 ) البيت بتمامه : . . . * . . . أنزلا الأوعالا انظر شرح المفصل لابن يعيش 1 / 46 . ( 4 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 197 . ( 5 ) انظر البحر المحيط 3 / 17 .